بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وإمتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا ثم أما بعد إن من أشد أقفال الإبداع وأصلبها هو أن ننظر إلى أنفسنا نظرة إزدراء وإحتقار، وأن نتمثل دائما وأبدا برحم الله امرءا عرف قدر نفسه، ولا يعني هذا الدعوة إلى الغرور أو مجافاة التواضع، لا وإنما المقصود التأكيد على أهمية الثقة بالنفس كشرط رئيس لولوج باب الإبداع، ولقد كشفت دراسة أن المبدعين يذكرون أنهم كانوا ينظرون إلى أنفسهم بثقة لا بغرور، وكثيرا ما نسمع أحدا يقول هذا ليس من تخصصي أو ليس من جملة إهتماماتي، وأضرابها من عبارات الأقفال التي تصد عن الإبداع.
لماذا لا يفكر أحدنا عند تعطل سيارته؟ لإننا لا نفهم في صيانة السيارات ولكن ألا يمكننا وخاصة عند تعذر وجود المختص أن نحاول إكتشاف العطل؟ فمن الصعب أن تجد في عصرنا الحاضر المعقد مشكلة يمكن عزوها إلى تخصص أو فن واحد، ومن هنا فالمبدع لا يقف مكتوف الأيدي أمام أجزاء المشكلة التي تخرج عن الدائرة الضيقة للتخصص، وإنما يحاول التفكير فيها بغية الإهتداء إلى الحل المناسب، مع الرجوع إلى ذوي الإختصاص لاستفتائهم والإفادة من علمهم، ومن الأمور التي تؤدي إلي الإبداع هو التزم القواعد، والقواعد هنا الذهنية ومنها طرائق التفكير والإستنتاج، والتي يتم تشكيلها في أذهاننا عبر مرحلتين هما أنها تبنى في البداية على أسباب منطقية ووجيهة، ويدفعنا هذا إلى الإعتقاد بصحتها وبضرورة إتباعها، ولكن بمرور الوقت قد تنتفي أسبابها.
ومن ثم تنعدم صحتها، غير أننا قد نستمر في إحترامنا لها، وتعد القواعد المنطقية كالقياس والإستدلال والتصنيف والتقسيم والترتيب من أهم وسائل التفكير، غير أن الإفراط في محاكمة الأفكار في مرحلة توليدها إلى تلك القواعد قد يعيق تدفقها ويعقّد بلورتها ذلك أنه قد تنتفي الأسس التي إستقت منها القواعد المنطقية صحتها، أو يصدر المفكر في تلك المرحلة حكما خاطئا بسبب العجلة الذهنية، إذن لا تغالي عند توليد أفكارك في محاكمتها إلى القواعد المنطقية، ورحّل تلك المحاكمة إلى مرحلة تقييم الأفكار، واستعن بالله وإنزع قفل المغالاة المنطقية، وكما أن من الأمور التي تؤدي إلي الإبداع هو أن تكن عمليا، هو عقدة البديل العملي، وقد تمارس أحيانا نشاطا تدميريا لمصنع بناء الأفكار، ألم تطرح أنت أو غيرك بديلا جوبهت بعد فراغك منه بقول يا أخي كن عمليا، وبعد فترة طالت أم قصرت.
تبين أن بديلك هو البديل العملي؟ ولكن ماذا لو يمكنك التحليق في عالم الأفكار التي قد تبدو لك أو لغيرك في الوهلة الأولى أنها غير عملية ؟ فمثلا يمكن لمدير العلاقات العامة الذي يريد تدعيم العلاقة مع الجمهور أن يسأل نفسه ماذا لو قدمنا هدية جذابة لكل واحد منهم؟ وماذا لو فتحنا المجال للتدرب على أعمالنا للمتخرجين حديثا ومنحناهم شهادات تدرب؟ وماذا لو إحتفظنا بمعلومات كاملة عن أهم عملائنا في جهاز الحاسـب الآلي وصممنـا برنامجا يمدهم بما نريد من معلومات في فترات محددة عبر شبكة الإنترنت؟ وماذا لو نظمنا رحلة إجتماعية لعملائنا الجدد؟ وإياك والغموض، فقد يخيفك الغموض من التجول في شوارع الفكرة المظلمة وحدائقها المرعبة وأسواقها المكتظة، أو في مطاعمها البائسة، أليس كذلك؟ فقد يبدو لك غموض كثيف يلف الفكرة الإبداعية بدثار مخيف.
ويحيطها بسياج منيع، فإذا لم تستجمع قواك حينئذ وتستحث شجاعتك وتستعين بالله تعالى قبل أي شيء وبعده على ذلك المارد الغامض فقد يفوتك الإبداع، وتعتل بالجمود.

إرسال تعليق