U3F1ZWV6ZTI4MzIwMDE5NjkzNTY5X0ZyZWUxNzg2NjcxNzI3OTEzMA==

ياسمين يسري تكتب القوة المفرطة، وهمٌ يُنهك أرواحنا - جريدة الهرم المصرى نيوز


 



في عالمٍ سريع الإيقاع، تزداد الضغوطات، وتتعدد التحديات، ويجد الإنسان نفسه في سباقٍ لا ينتهي مع ذاته ومع الآخرين. وبينما يتفاخر بعضنا بقدرته على الاحتمال والصمود، يكتشف آخرون أن ما يظنونه قوة ما هو إلا قيد ثقيل يُضعفهم ببطء، ويحوّلهم إلى نسخٍ منهكة تحيا على أطراف طاقتها.


الحزن قد يسكننا، ليس لأنه لا يُغادر، بل لأننا لا نسمح له بالرحيل. 

كم مرة تمسكنا بذكريات مؤلمة، بأشخاصٍ يرهقوننا، أو بمواقف لا نملك تغييرها، لمجرد أننا نخاف المواجهة؟ 

كم مرة أخفينا ألمنا خلف ابتسامة زائفة، وظننا أن الصبر بلا حدود هو قمة الشجاعة؟


الواقع مختلف تمامًا،

عندما نُصرّ على حمل أثقال الماضي، 

ونواصل الركض دون توقف خوفًا من السقوط، 

فإننا لا نمارس القوة، بل نستهلكها. 

وما يُسمى أحيانًا بـ"الصلابة" ليس إلا جدارًا باردًا يفصلنا عن مشاعرنا الحقيقية. 

الآخرون قد يروننا كأحجار صلبة، لا نشعر ولا نتألم. فيعاملوننا بلامبالاة، يجرحوننا بالكلمات، ويُحمّلوننا ما لا طاقة لنا به، لأننا نحن أنفسنا اخترنا أن نخفي ضعفنا ونُظهر صورة مزيفة عن صلابتنا.

هذه المفارقة المؤلمة تضعنا أمام سؤال مصيري: لماذا لا نكون صادقين مع أنفسنا؟ لماذا نخشى أن نقول إننا نتألم، أو أننا لم نعد قادرين على الاحتمال؟ إن مواجهة الأزمات ليست خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة وجودية. فالمشكلات الصغيرة التي نتجاهلها اليوم، تتحول غدًا إلى أزمات كبرى، تتكاثر وتترسخ في أعماقنا حتى تنفجر بشكل مدمر.


الحل ليس في الهروب ولا في الغرق في أعماق الذات، 

بل في المواجهة التدريجية. 

خطوة بخطوة، مواجهة الماضي بدل الاستسلام له، والبحث عن معنى مختلف للحياة يخفف عنا ثقل الأخطاء والتجارب. فالقوة الحقيقية ليست في الصمود الأعمى، بل في القدرة على قول "كفى" والبدء من جديد.

ولعلّ أعظم درس يمكن أن نتعلمه هو أن نظرة الآخرين لا تعني شيئًا إن لم نكن نحن راضين عن أنفسنا. الناس سيحكمون، سيفسرون، وسيطلقون أوصافًا قد لا تعكس حقيقتنا. لكن المهم حقًا هو أن نشعر بالسلام الداخلي، أن نتصالح مع ذواتنا، وأن نمنحها فرصة للشفاء والنمو.

في النهاية، لا أحد يعيش حياتنا بالنيابة عنا. نحن وحدنا من يتحمل تبعات خياراتنا، ونحن وحدنا من سنشعر إما بالرضا أو بالندم. لذلك، فإن أعظم هدية يمكن أن نقدمها لأنفسنا هي أن نكف عن التظاهر بالقوة الزائفة، وأن نختار الصدق والمواجهة، مهما كانت مؤلمة. فالألم المؤقت أهون من حياةٍ طويلة محمّلة بالانكسارات الصامتة.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة