كيف تسهم الابتكارات الرقمية في تعزيز الشمول المالي وتحقيق التنمية المستدامة؟
كتبت:رانيا عبداللاه
خلال السنوات القليلة الماضية برزت مجموعة من المصطلحات الاقتصادية الجديدة على الساحة، من أبرزها: التكنولوجيا المالية (Fintech)، والتحول الرقمي، والشمول المالي (Financial Inclusion). هذه المفاهيم لم تعد مجرد شعارات، بل تحولت إلى محاور رئيسية في سياسات البنوك المركزية والحكومات حول العالم، لما لها من دور حيوي في دعم الاقتصاد وتحقيق التنمية.
التكنولوجيا المالية تعني ببساطة استخدام التقنيات الحديثة – مثل الهواتف الذكية، تطبيقات الدفع الإلكتروني، الذكاء الاصطناعي، والبلوك تشين – لتقديم الخدمات المالية والمصرفية بشكل أسرع وأسهل وأقل تكلفة. فهي تسهّل على الأفراد إجراء المعاملات، دفع الفواتير، الحصول على قروض، أو حتى الاستثمار من خلال الهاتف المحمول دون الحاجة للذهاب إلى البنوك التقليدية.
أما الشمول المالي فهو إتاحة الخدمات المالية والمصرفية لكل فئات المجتمع، وبالأخص الفئات المهمشة والفقيرة، مثل العمالة غير المنتظمة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، لضمان اندماجهم في المنظومة الاقتصادية الرسمية. الشمول المالي لا يقتصر على فتح الحسابات البنكية فقط، بل يشمل الادخار، التمويل، التأمين، والتحويلات المالية.
العلاقة بين التكنولوجيا المالية والشمول المالي علاقة وثيقة ومتكاملة، فالتكنولوجيا أصبحت الأداة الأكثر تأثيرًا في توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية. على سبيل المثال، يستطيع شخص في قرية نائية عبر محفظة إلكترونية على هاتفه استقبال حوالة مالية أو دفع فاتورة كهرباء بسهولة، وهو ما كان يفتقده في السابق نتيجة بعد المسافة أو ارتفاع التكاليف.
الاهتمام العالمي والمحلي بالشمول المالي
ويعود الاهتمام العالمي بالشمول المالي إلى عدة أسباب، أبرزها:
الحد من الفقر عبر تمكين الأفراد من الادخار والاقتراض.
دعم التنمية الاقتصادية من خلال دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي.
تمكين المرأة والشباب عبر منحهم استقلالية مالية وفرص عمل جديدة.
تعزيز الاستقرار المالي للدول وتقليل مخاطر الاقتصاد الموازي.
المساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة.
وفي مصر، تولي الدولة اهتمامًا كبيرًا بملف الشمول المالي، حيث أطلق البنك المركزي عدة مبادرات لتعزيز استخدام الخدمات المصرفية والرقمية، منها:
إطلاق البطاقة الوطنية "ميزة" كأول بطاقة دفع وطنية تدعم المعاملات الإلكترونية والتحويلات.
التوسع في المحافظ الإلكترونية عبر الهاتف المحمول، والتي تجاوز عددها 46.3 مليون محفظة نشطة خلال الربع الثاني من عام 2025، مسجلة نحو 717.7 مليون عملية مالية بقيمة قاربت 943.4 مليار جنيه في نفس الفترة.
تعزيز استخدام الكروت مسبقة الدفع والتوسع في نقاط البيع الإلكترونية (POS) بما يغطي مختلف المحافظات والقرى.
مبادرات التثقيف المالي ضمن فعاليات "أسبوع الشمول المالي"، التي تستهدف نشر الوعي بين طلاب الجامعات، المرأة، والفئات الأكثر احتياجًا.
أرقام تبرز حجم الإنجاز
الإحصائيات الأخيرة للبنك المركزي المصري تكشف عن قفزة نوعية في مؤشرات الشمول المالي:
ارتفعت نسبة الشمول المالي بين المواطنين البالغين (15 عامًا فأكثر) إلى 76.3% في يونيو 2025، أي ما يقرب من 53.8 مليون مواطن يمتلكون حسابًا ماليًا نشطًا، مقارنة بـ 74.8% في ديسمبر 2024.
بلغ الشمول المالي للمرأة 70% مقابل 68.8% في نهاية 2024، وهو ما يعكس تقدمًا في إدماج النساء اقتصاديًا.
ارتفع الشمول المالي للشباب إلى 54.4% في منتصف 2025 مقابل 53.1% بنهاية العام السابق.
التكنولوجيا المالية كأداة لتعزيز الشمول المالي
وتلعب التكنولوجيا المالية دورًا محوريًا في تعزيز مؤشرات الشمول المالي من خلال:
خفض تكلفة المعاملات المالية.
توسيع الانتشار الجغرافي للخدمات عبر الإنترنت والهواتف الذكية.
تشجيع الادخار والاستثمار عبر تطبيقات ذكية وبسيطة.
زيادة الشفافية والأمان في المعاملات الإلكترونية.
في النهاية، يمكن القول إن التكنولوجيا المالية لم تعد رفاهية، بل أصبحت محركًا رئيسيًا لتحقيق الشمول المالي، ومن ثم دفع عجلة النمو الاقتصادي وتعزيز التنمية المجتمعية. ومع استمرار الابتكارات الرقمية، ستظل العلاقة بين Fintech والشمول المالي أحد أهم ملامح الاقتصاد العالمي، في حين تواصل مصر خطواتها لتعزيز هذا التوجه بما يتماشى مع رؤيتها للتنمية المستدامة 2030.

إرسال تعليق