U3F1ZWV6ZTI4MzIwMDE5NjkzNTY5X0ZyZWUxNzg2NjcxNzI3OTEzMA==

الدكتورة دعاء معاطي تكتب الكَلمَاتُ كَقَارُورَةِ العِطْرِ - الهرم المصرى نيوز


 


بقلم: دكتورة دعاء معاطي


الكَلمَاتُ تُغَيِّرُ المُجتَمَعَاتِ، وَتُنِيرُ عُقُولَ الأُمَمِ، وَتَجْعَلُ رَاعِيَ الأَغْنِامِ يَحتَرِمُهُ مُلُوكُ الأَرْضِ، لَكِنَّ الكَلِمَةَ فِي الصَّدْرِ أَو عَقْلِ صَاحِبِهَا لَا قِيمَةَ لَهَا، فَهِيَ مِثْلُهَا مِثْلُ العِطْرِ فِي قَارُورَتِهِ، يَظَلُّ حَبِيسًا لَا يَنْعَمُ بِهِ الآخَرُونَ أَو يَستَفِيدُونَ مِنْهُ. مَا أَنْ يُفْتَحَ غِطَاءُ القَارُورَةِ حَتَّى يَمْلَأَ المَكَانَ بِالرَّائِحَةِ الجَذَّابَةِ العَطِرَةِ.


لِذَا، مَنْ يُهَذِّبُ الكَلِمَاتِ وَيُرْسِلُهَا لِقَلْبِ قَارِئِهِ، لَنْ يَحتَاجَ لِمَدْحِ كَلِمَاتِهِ، أَو تَزْكِيَتِهَا عَنْ غَيْرِهَا، فَسَتَصِلُ إِلَى القَارِئِ يَتَذَوَّقُهَا بِعَقْلِهِ، وَيُدْرِكُهَا بِوِجْدَانِهِ، وَيَأْلَفُ مَكَانَ كَاتِبِهَا وَيَرَى هَذَا المَكَانَ بَيْتَهُ، وَيَبْحَثُ عَنْهُ فِي أَورَاقِ الجَرَائِدِ. الكَلِمَةُ جِسْرٌ بَيْنَ عَقْلِ كَاتِبِهَا وَقَلْبِ قَارِئِهَا، يَجْعَلُهُ يَفْرَحُ لِفَرَحِهِ وَيَحْزَنُ لِحُزْنِهِ وَيَتَحَمَّسُ لِحَمَاسِهِ.


لَوْ لَمْ تَكُنِ الكَلِمَةُ كَنْزًا، لَمَا قَالَ الحُسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ: "شَرَفُ المَرْءِ كَلِمَتُهُ". وَلَكِنْ قَبْلَ أَنْ تُقْنِعَنِي بِكَلِمَاتِكَ، دَعْنِي أَرَاهَا فِي تَصَرُّفَاتِكَ، لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ الاِحْتِوَاءِ وَلَا أَشْعُرُ بِصِدْقِهِ وَأَنَا أَقرَأُ، لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ الصِّدْقِ وَالوُدِّ وَأَبْذُلُ مَجْهُودًا فِي اِكْتِشَافِ الغُمُوضِ فِي الكَلِمَاتِ.


مَا لَا يَعْلَمُهُ الكَثِيرُونَ أَنَّ الكَاتِبَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ عَلَى الأَوْرَاقِ وَالحِبْرِ بِكَلِمَاتٍ لَا يُؤْمِنُ بِهَا أَو يَشْعُرُ بِهَا أَو يَتَبَنَّاهَا. الكِتَابَةُ تَجْرِبَةٌ شُعُورِيَّةٌ صَادِرَةٌ مِنَ القَلْبِ إِلَى القَلْبِ. عِنْدَمَا يَكُونُ الكَاتِبُ صَادِقًا فِيمَا كَتَبَ، تَمَسُّ كَلِمَاتُهُ خُلْدَ قَارِئِهِ.


لَوْ لَمْ يَكُنْ صِدْقُ الكَاتِبِ يُؤَثِّرُ فِي القَارِئِ، لَمَا مَلَكَتِ الخَنْسَاءُ قُلُوبَ قُرَّائِهَا أَعمَامًا وَأَعْوَامًا، وَكُلُّ مَا تَكْتُبُهُ رِثَاءٌ فِي أَخَوَيْهَا صَخْرٍ وَمُعَاوِيَةَ. كَانَ رَسُولُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ شِعْرَهَا وَيَسْتَنْشِدُهَا وَيَتَأَثَّرُ بِكَلَامِهَا. ظَلَّتِ الخَنْسَاءُ تَرْثِي أَخَوَيْهَا حَتَّى مَاتَتْ وَتُعْرَفُ بَيْنَ العَرَبِ. وَمَعَ أَنَّ عَاطِفَةَ الحُزْنِ مُهَيْمِنَةٌ عَلَى شِعْرِهَا، وَصَفَهَا النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ بِأَنَّهَا "أَشْعَرُ الإِنْسِ وَالجِنِّ".


لَمْ تَبْذُلِ الخَنْسَاءُ أَدْنَى مَجْهُودٍ لِتَمْلِكَ قُلُوبَ العَرَبِ بِأَشْعَارِهَا، فَقَط أَحَسَّتْ بِصِدْقٍ وَعَبَّرَتْ، فَوَصَلَتْ كَلِمَاتُهَا لِمَنْ قَرَأَهَا وَعَشِقُوهَا بِمَا تَقُولُ حَتَّى لَوْ كَانَ رِثَاءً. فَالْكَلِمَةُ مِرْآةُ كَاتِبِهَا، وَكَيَانِهِ، وَوُجُودِهِ.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة