بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدا عبده رسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الملك العادل ذي القرنين، ومن خلال البحث في قصة ذي القرنين نجد أنها قد حوت كثيرا من الفوائد الدعوية ونستطيع أن نجمل الكلام في بعض هذه الفوائد، فالفائدة الأولى وهو العمل الصالح مذكور عند الله تعالي قبل أن يذكر عند الخلق، وقال الشيخ الشعراوي في تفسير قوله تعالى " قل سأتلوا عليكم منه ذكرا " وأي شرف بعد هذا الشرف، إن الحق تبارك وتعالى يتولى التأريخ لهذا الرجل، ويؤرّخ له في قرآنه الكريم الذي يُتلى ويُتعبد به إلى يوم القيامة والذي يُتحدى به، ليظل ذكره باقيا بقاء القرآن، خالدا بخلوده، يظل أثره فيما عمل أسوة وقدوة.
لمن يعمل مثله، إن دل على شيء فإنما يدل على أن العمل الصالح مذكور عند الله قبل أن يذكر عند الخلق، فأي ذكر أبقى من ذكر الله لخبر ذي القرنين وتاريخه؟ وقال أيضا فذكر ذي القرنين في كتاب الله شرف كبير، وفي إشارة إلى أن فاعل الخير له مكانته ومنزلته عند الله، ومجازى بأن يخلّد ذكره ويبقى صيته بين الناس في الدنيا، ومن الدروس المستفادة من قصة الملك العادل ذي القرنين هو بيان مراتب وضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولقد وصف الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالخيرية عندما يتحقق فيها شروط الخيرية الثلاثة " تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " وهذا الحديث عظيم الشأن لأنه نصّ على وجوب إنكار المنكر، وبيان مراتبه، ومن هذا العرض نجد أن ذا القرنين قام في الواقع الحقيقي بتطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد.
كما جاء في الحديث "من رأى منكم منكرا، فليغيره بيده" فهذا الإنكار هو أقوى درجات الإنكار لأنه إزالة للمنكر بالكلية وزجر عنه، ولا يكون هذا التغيير ممن لا يملك سلطة إذ قد ينكر منكرا، فيقع فيما هو أنكر، وليس ذلك من الحكمة، وقد علق الإنكار باليد على الإستطاعة، وهذه الدرجة الأولى لولي الأمر في الولاية العامة والخاصة، فسلوك ذي القرنين كان سلوكا ربانيا حيث إستطاع أن يستخدم كل الوسائل التي سخرها الله له في سبيل الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتجلى ذلك في تحركاته جهة المغرب والمشرق وتحركاته بين السدين، فكان تغييره تغييرا فيه إصلاح وحفظ وأمن وطاعة، وقد تحققت فيه خصال ثلاث يراها بعض العلماء ضرورية لمن يقوم بمثل هذه المهام رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، وعدل بما ينهى، عالم بما يأمر.
عالم بما ينهى، وهذا يدل على كونه من الملوك الصالحين، الأولياء العادلين العالمين حيث وافق مرضاة الله في معاملة كل أحد بما يليق بحاله، ومن الأهداف من ذكر قصة ذي القرنين هو بيان الهدف من ذكر القصص هو العبرة والعظة، حيث قال تعالى " قل سأتلوا عليكم منه ذكرا " وجعل خبر ذي القرنين تلاوة وذكرا للإشارة إلى أن المهم من أخباره ما فيه تذكير وما يصلح لأن يكون تلاوة حسب شأن القرآن فإنه يتلى لأجل الذكر ولا يساق مساق القصص، وقال الإمام السعدي بأنه فيه نبأ مفيد، وخطاب عجيب، أي سأتلوا عليكم من أحواله، ما يتذكر فيه، ويكون عبرة، وأما ما سوى ذلك من أحواله، فلم يتله عليهم، وإذا لن يقدم لهم كل التفاصيل وكل الأحداث، وإنما سيقدم لهم أهم الأشياء التي فيها عبرة وعظة، وكلمة " منه " تدل على ذلك.
فليس هذا عرضا مفصلا دقيقا شاملا لسيرة ذي القرنين، وليست القضية فيها تفصيل وإستيعاب، إنما الذي يعيننا هو مواقع العبرة والعظة، ومواقف الدروس والدلالات والفوائد، ولهذا فإن المسلم لا يبحث عن تفاصيل لا مستند صحيح لها، وإنما يكتفي بما عرضه القرآن الكريم والسنة النبوية، والتفصيلات التي أغفلها القرآن الكريم لا فائدة منها لنا، ولو كان فيها فائدة لذكرها لنا، ثم لا سبيل لنا للوقوف عليها بطريق صحيح، فلماذا نتعب أنفسنا في الجري وراءها، ومحاولة معرفتها.

إرسال تعليق