بِقَلَمِ الدُّكْتُورَةِ دُعَاء مُعَاطِي
فِي عَالَمِ العَلَاقَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ، نَعِيشُ عَلَاقَاتٍ مُتَدَاخِلَةً، مِنْهَا مَا نَبْقَى فِيهَا لِأَنَّ هَؤُلَاءِ البَشَرَ يَسْتَحِقُّونَ أَنْ يَكُونُوا جُزْءًا مِنْ حَيَاتِنَا، وَلَا تَحْلُو الحَيَاةُ بِدُونِهِم. لَا يُمْكِنُنَا الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ دِفْءِ عَلَاقَاتِهِمْ، وَصِدْقِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَعَ آلَامِنَا. لَا نَتَكَلَّفُ فِي حَدِيثِنَا مَعَهُمْ، لَا يَشْغَلُنَا مَعَهُمْ تَجَمُّلُ المَظْهَرِ وَتَأَلُّقُ الكَلِمَاتِ، لِأَنَّنَا نَتَقَبَّلُهُمْ كَمَا هُمْ، وَنَرَى مِنْ حَقِّهِمْ عَلَيْنَا أَنْ يَرَوْنَا كَمَا نَحْنُ بِلَا تَكَلُّفٍ أَوْ خِدَاعٍ.
هَذِهِ العَلَاقَاتُ لَا يَمْلِكُ الزَّمَنُ شَيْئًا لِيُسْقِطَهَا أَوْ يُنْهِيهَا، فَأَنْتَ مِنَ البِدَايَةِ تَتَقَبَّلُهُمْ بِكُلِّ مَا فِيهِمْ، لَا لِشَكْلٍ أَوْ وَضْعٍ اجْتِمَاعِيٍّ أَوْ مَنْصِبٍ، بَلْ تَقَبَّلَ أَرْوَاحَهُمْ. فَمَاذَا يَمْلِكُ الزَّمَنُ مِنْ أَسْلِحَةٍ لِيُضْعِفَ هَذِهِ العَلَاقَةَ؟ الحَقِيقَةُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، فَأَنْتَ تَقَبَّلْتَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ. هَذِهِ العَلَاقَاتُ كَنْزُ المَرْءِ، وَزَادُهُ فِي حَيَاتِهِ، وَدُعَاؤُهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ.
وَعَلَى النَّقِيضِ مِنْ هَؤُلَاءِ البَشَرِ، يُوجَدُ فِي حَيَاتِنَا بَشَرٌ لَا يَرَوْنَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، فَلَا مَعْرُوفٌ مَعَهُمْ يَدُومُ، وَلَا عِشْرَةٌ تُثْقِلُ حُبَّهُمْ لَنَا. هَؤُلَاءِ يَتَوَهَّمُونَ أَنَّنَا مَعَهُمْ بَعْضَ الوَقْتِ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّنَا مَعَهُمْ لَا زِلْنَا وَاقِفِينَ، نَتَجَاذَبُ مَعَهُمْ أَطْرَافَ الحَدِيثِ، نُشَارِكُهُمْ بَعْضَ المَوَاقِفِ. هَؤُلَاءِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّنَا رَحَلْنَا وَنَحْنُ مَعَهُمْ وَاقِفُونَ، تَخَطَّيْنَا بِدَاخِلِنَا شُعُورَ الِانْتِمَاءِ مَعَهُمْ، بَرَدَ دِفْءُ عَلَاقَتِنَا مَعَهُمْ، أَصْبَحْنَا لَا نَرَاهُمْ أَحْبَابًا أَوْ أَخِلَّاءَ، نَرَاهُمْ جُزْءًا مِنَ الرُّوتِينِ اليَوْمِيِّ، وَلَا نَلْبَثُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ثُمَّ نَتْرُكُهُمْ رَاحِلِينَ بِلَا عَوْدَةٍ.
مَتَى يَكُونُ التَّخَطِّي؟
التَّخَطِّي الحَقِيقِيُّ مِنْ عَلَاقَاتٍ أَصْبَحَتْ لَا تَلِيقُ بِنَا، يَكُونُ تَخَطِّيًا دَاخِلِيًّا، عِنْدَمَا تَشْعُرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ البَشَرَ غَادَرُوا مِنْ قَلْبِكَ وَأَنْتَ وَاقِفٌ مَعَهُمْ، تَسْمَعُ أَصْوَاتَهُمْ فَتُؤْذِي أُذُنَكَ مِنْهَا، يَتَحَدَّثُونَ وَلَا نُعِيرُ أَصْوَاتَهُمْ اهْتِمَامًا. هُنَا نَكُونُ قَدْ تَخَطَّيْنَا عَلَاقَاتٍ فَاسِدَةً لَا خَيْرَ فِيهَا. هَؤُلَاءِ البَشَرُ لَا يُلَاحِظُونَ هَذَا التَّخَطِّي وَنَحْنُ مَعَهُمْ، لِأَنَّهُمْ مَشْغُولُونَ بِأَرْوَاحِهِمْ، لَا هُمُومُكَ تَشْغَلُهُمْ وَلَا وُدُّكَ يُفَرِّقُ مَعَهُمْ. عِنْدَمَا يَسْتَيْقِظُونَ فِي الصَّبَاحِ، يَرَوْنَكَ مِنْ حَيَاتِهِمْ رَاحِلًا، تَنْدَهِشُ عُقُولُهُمْ، قَدْ يَتَوَقَّعُونَ عَوْدَتَكَ وَلَكِنَّكَ لَنْ تَعُودَ، لِأَنَّكَ طَيَّبْتَ جِرَاحَكَ مَعَهُمْ وَأَنْتَ لَا زِلْتَ مَعَهُمْ وَاقِفًا، أَنْهَيْتَ نِقَاطَ الضَّعْفِ بِدَاخِلِكَ الَّتِي تَجْذِبُكَ تُجَاهَهُمْ وَأَنْتَ لَا زِلْتَ لَمْ تُغَادِرْ عَلَاقَتَكَ مَعَهُمْ. مَاذَا يَدْفَعُكَ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَعُودَ؟ لَا شَيْءَ يَدْفَعُكَ لِذَلِكَ.
التَّخَطِّي قَبْلَ التَّخَلِّي
التَّخَطِّي الحَقِيقِيُّ يَكُونُ قَبْلَ التَّخَلِّي وَنَحْنُ مَعَهُمْ، فَأَرْوَاحُنَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَنْ تُؤْذَى، لَنْ نَحْزَنَ عَلَى فِرَاقِهِمْ. عِنْدَمَا نَتَخَطَّى لَنْ نَتَأَلَّمَ، فَقَدْ طَيَّبْنَا جُرُوحَنَا قَبْلَ الرَّحِيلِ. مَنْ يُؤْذِيكَ، عَالِجْ جُرُوحَكَ مِنْهُ وَأَنْتَ لَا زِلْتَ مَعَهُ. لَا تَرْحَلْ عِنْدَ غَضَبِكَ، لِأَنَّكَ بَعْدَ هُدُوءِ الغَضَبِ عَائِدٌ لَا مَحَالَةَ، فَالغَضَبُ سَوْفَ يُطْفَأُ. وَعِنْدَمَا تَعُودُ، لَنْ تَجِدَنِي، سَوْفَ أَكُونُ قَدْ رَحَلْتُ، لِأَنَّنِي رَحَلْتُ مُنْذُ فَتْرَةٍ وَأَنْتَ تَتَوَهَّمُ أَنِّي لَا زِلْتُ مُسْتَمِرَّةً.
أَعْمَارُنَا دَقَائِقُ وَثَوَانٍ نَمْنَحُهَا لِمَنْ يُحِبُّونَ لَنَا الخَيْرَ، يَحْمِلُونَ خَوَاطِرَنَا عَلَى أَكْتَافِهِمْ، وَفَرْحَتَنَا فِي عُقُولِهِمْ. لَنْ نُقَاسِمَ أَعْمَارَنَا مَعَ بَشَرٍ لَا يَسْتَحِقُّونَ، وَنَحْنُ مِنَ البِدَايَةِ عَنْهُمْ رَاحِلُونَ. لَنْ نُقَدِّرَ أَرْوَاحَنَا مَعَ بَشَرٍ لَا يَسْتَحِقُّونَنَا.

إرسال تعليق