بقلم سهام محمد راضي
في قلب القاهرة، وبين جدران دار الأوبرا المصرية، يسطع نور مختلف يحمل رسالة تتجاوز حدود الفن إلى آفاق أوسع من الفكر والوعي. إنه ملتقى الهناجر الثقافي، ذلك الصرح العظيم الذي لم يعد مجرد ملتقى شهري، بل أصبح تقليدًا راسخًا وموعدًا ثابتًا ينتظره الجمهور والمثقفون على حد سواء.
الملتقى، منذ انطلاقه، حمل على عاتقه مهمة ليست بالهينة: أن يضع الثقافة في قلب الأحداث، وأن يجعل من الحوار سلاحًا للتنوير، ومن الفن نافذة يطل منها الوطن على ذاته. في كل دورة جديدة، يقدم الملتقى ما يبرهن على أنه ليس مجرد فعالية، بل مؤسسة فكرية وفنية متكاملة تسهم في تشكيل الوعي العام، وتربط بين الماضي والحاضر، وبين الحلم والواقع.
ولعل سر نجاح هذا المنبر الثقافي يكمن في قيادته الواعية والرؤية الثاقبة لـ الدكتورة الناقدة الأدبية ناهد عبد الحميد، مؤسسة ومديرة الملتقى، التي استطاعت أن تحوّل الفكرة إلى كيان حقيقي، وأن تجعل من الهناجر بيتًا يلتقي فيه الفكر بالفن، والعلم بالإبداع، والجمهور بالمثقفين. هي لم تكتفِ بأن تفتح الأبواب، بل صنعت طريقًا واسعًا، وأثبتت أن الثقافة إذا أُديرت بعقل وقلب، فإنها تتحول إلى قوة مؤثرة تحفظ للأمة هويتها وتمنحها القدرة على مواجهة التحديات.
وعنوان الملتقى هذا الشهر: "الأغنية الوطنية ودورها في الحياة السياسية"، لم يأتِ من فراغ، فالأغنية الوطنية كانت على مر العصور مرآة صادقة لوجدان الشعب. هي التي واكبت لحظات الانتصار والانكسار، وصارت سجلاً صوتيًا يحكي التاريخ بلغة اللحن والكلمة. بهذا الاختيار، يواصل الملتقى دوره في إحياء الذاكرة الوطنية، وتأكيد أن الثقافة ليست رفاهية وإنما جزء لا يتجزأ من حياة الشعوب.
إن من يتأمل مسيرة ملتقى الهناجر يدرك أنه تجاوز كونه فعالية فنية إلى كونه تجربة وطنية متكاملة؛ تجربة تمزج بين الفكر النقدي الجاد والفن الراقي، وتمنح الحضور إحساسًا بالانتماء وتجددًا في الروح. هو صرح يعلّمنا أن الحوار الراقي يمكن أن يغير، وأن الفن يمكن أن يبني، وأن الثقافة قادرة أن تكون طوق نجاة حين يعلو الضجيج وتكثر التحديات.
لهذا، يبقى الشكر موصولًا لكل القائمين على هذا العمل الوطني الرائع، وعلى رأسهم الدكتورة ناهد عبد الحميد، صاحبة الرؤية التي جعلت من الهناجر علامة مضيئة في سماء الثقافة المصرية، وصرحًا عظيمًا يليق بتاريخ هذا الوطن العريق.
فالملتقى ليس مجرد حدث، بل حالة حقيقية من الوعي الجمعي، وتجربة تؤكد أن مصر ستظل دائمًا رائدة في الثقافة والفكر والفن.


إرسال تعليق